الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

275

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إِسْرائِيلَ ، وأفاد أن بني إسرائيل قد بدّلوا نعمة اللّه تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلّا لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدّل نعم اللّه مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء ، فيغني مثله في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازا بديعا من إيجاز الحذف وإيجاز القصر معا ؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة عليهم فلم يقدروها حق قدرها ، فبدلوا نعمة اللّه بضدها بعد ظهورها فاستحقوا العقاب ، لأن من يبدّل نعمة اللّه فاللّه معاقبه ، ولأنه يفيد بهذا العموم حكما جامعا يشمل المقصودين وغيرهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضا يشبه التصريح ، ونظيره أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل اللّه بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب فيما حدثك وإلّا لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع . وإنما أثبت للآيات أنها نعم لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعما لأن دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن بصيرة لمن لم يكن اتبعه ، وتزيد اللذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً [ التوبة : 124 ] وبذلك التصديق يحصل تلقى الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وآجلة ، وإن كانت الآيات الكلام الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم ، لأنها قصد بها تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثة الرسول لئلا يترددوا في صدقه بعد انطباق العلامات التي ائتمنوا على حفظها . والتبديل على الوجه الأول تبديل الوصف بأن أعرضوا عن تلك الآيات فتبدل المقصود منها ، إذ صارت بالإعراض سبب شقاوتهم في الدنيا والآخرة ، لأنها لو لم تؤت لهم لكان خيرا لهم في الدنيا ؛ إذ يكونون على سذاجة هم بها أقرب إلى فعل الخير منهم بعد قصد المكابرة والإعراض ؛ لأنهما يزيدانهم تعمدا لارتكاب الشرور ، وفي الآخرة أيضا لأن العقاب على الكفر يتوقف على الدعوة وظهور المعجزة ، وقد أشبههم في هذا التبديل المشركون بإعراضهم عن القرآن والتدبر في هديه أو التبديل بأن استعملوا تلك الآيات في غير المراد منها بأن جعلوها أسباب غرور فإن اللّه ما آتى رسولهم تلك الآيات إلّا لتفضيل أمته فتوكئوا على ذلك وتهاونوا على الدين فقالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] . والتبديل جعل شيء بدلا عن آخر ، أي تعويضه به فيكون تعويض ذات بذات